تغيب فرحة الاحتفال المعتادة بعيد الأضحى هذه السنة عن قطاع غزة الفقير الذي دمرته الحرب، حيث يعجز سكانه عن ابتياع الملابس الجديدة لأطفالهم، وعن شراء الأضاحي، إما لعدم توافرها او لكونها باهظة الثمن، فيما تفتقر خيامهم إلى رائحة الكعك والحلويات المألوفة. وقالت نادية أبو شمالة (40 عاما) النازحة من شمال قطاع غزة إلى مدينة دير البلح في وسطه: "أخرج إلى السوق فقط لأتفرج ولا أستطيع شراء شيء لانني عندما أسأل عن الأسعار أعود مكسورة الخاطر. يحل الأضحى هذا العام من دون أي من ملامح الفرح التي اعتدنا عليها في غزة، نظراً إلى آثار الحرب وإلى الغلاء الفاحش وعدم قدرتنا على توفير أبسط الاحتياجات لأطفالنا، وبالتالي الفرحة معدومة وأجواء العيد غائبة"، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس". وأدى اتفاق الهدنة الذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر إلى توقف القتال بشكل كبير بعد عامين من الحرب التي بدأت بعد هجوم "حماس" على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. لكن الاتفاق لم يضع حداً نهائيا للعنف. ورأى أبو عبد الله المصدر (59 عاماً) من دير البلح أن "الهدنة كذبة كبيرة"، مضيفاً: "نحاول في كل الحالات أن نصنع الفرح للأطفال، وتشاركت مع شقيقي بشراء خروف الأضحية بـ13 ألف شيكل (نحو خمسة آلاف دولار)". وتابع الرجل الذي كان يعمل في مجال العقارات: "أعرف أن السعر باهظ جداً، لكنني قررت أن أضحي هذا العام، حيث لا مظاهر للعيد، بل هو حزين". وشكلت أسعار الخراف مفاجأة غير سارة بالنسبة لسكان القطاع، وقال احمد أبو سالم (50 عاماً) من مدينة غزة: "أسعار الأضاحي هذا العام صادمة، لم نتخيل يوماً أن يصل ثمن الواحدة الى أربعة آلاف أو خمسة آلاف دولار. لم نر مثل هذه الاسعار طوال حياتنا"، مضيفاً بأن "الناس كانوا يحرصون كل سنة على شراء الأضاحي. أصبحنا اليوم عاجزين حتى عن شراء كيلوغرام واحد من اللحم لأطفالنا". ويرح الناطق باسم وزارة الزراعة في غزة رأفت عسلية أن "أسعار الأضاحي تشهد ارتفاعاً غير مسبوق خلال العيد، بسبب الغياب الكامل للاستيراد، ونفوق أعداد كبيرة من المواشي بسبب الحرب، وارتفاع أكلاف التربية والأعلاف والنقل".

ولاحظ ان "سعر الخروف الذي كان يبلغ قبل الحرب نحو ألف شيكل، أصبح يتراوح راهنا بين 11 و15 ألف شيكل" (بين 3900 دولار و5300). وقال أبو سالم: "بالكاد نوفر الطعام اليومي، مازلنا نعيش في خيام، والأسعار خيالية". وأشار إلى أن "ثمن طقم الملابس للطفل الواحد (قميص وبنطال) يتجاوز مئة دولار"، واصفاً السعر بأنه "خيالي" بالنسبة له خصوصاً أنه أب لأربعة أطفال. واتفقت معه سهام العمري (36 عاماً) النازحة من شمال قطاع غزة إلى دير البلح أيضاً، حيث تفتقد هي الأخرى فرحة العيد ومناخاته السابقة لأن "أسعار الملابس مرتفعة جداً، فثمن البنطال والقميص للولد الصغير يساوي موازنة الطعام لمدة أسبوع". وأضاف المرأة التي تعيش في خيمة: "لا بهجة ولا رائحة كعك، فالهموم تطغى على كل بيت، والغلاء أنهكنا، والخضروات والدجاج واللحوم غير متوافرة في الاسواق". اما أبو أحمد وافي (42 عاماً) وهو نازح من شرق مدينة خانيونس جنوب القطاع الى غربها فقال "الأسواق تمتلئ بالكعك والمعمول والحلويات، كنا نعدها سابقاً في البيت، لكن الأسعار باتت مرتفعة جداً، ولا غاز للطهو حتى نخبزها في الخيمة". لكن إحدى العائلات تدبرت إعداد كمية محدودة من الكعك والمعمول في خيمتها غربي خانيونس، حيث جلست الأم وابنتها على الأرض ووضعتا دوائر الكعك في صينية قبل أن يتولى رجل خبزها في فرن من الطين. لكن نادية أبو شمالة التي تسكن في خيمة غرب دير البلح قالت بحسرة: "كنا ننتظر العيد من عام إلى عام حتى نأكل اللحم ونضحي مثل بقية الناس، لكن لم يعد بمقدور من كان يضحي كل سنة أن يشتري ولو كمية محدودة من اللحم. مازلنا نعيش في خيام، وسط الهموم والخوف والتعب، من دون أي من مظاهر الفرح التي عرفناها سابقاً".