كنا خمسة، أربعة رجال وأنا. الكلام متواصل منذ ساعات، خرائط وسيناريوهات وقراءات متقاطعة في الوضع الراهن وتحليلات فوق تحليلات. حاولت أكثر من مرة أن أجد مدخلًا إلى النقاش، لكن كلامي بدا للموجودين أخفّ وزنًا، أو أقل جدية، أو ببساطة غير مُدرج ضمن ما يستحق المتابعة. لم يكن هناك رفض مباشر، بل شيء أوضح: لا أحد ينتظر ما سأقوله. شعرت بشيء محدد. ليس ضيقاً ولا إحساسًا بالإهانة، بل شيء أصغر وأكثر إزعاجاً: أني لستُ موجودة فعلًا على هذه الطاولة. كأن حضوري لا يغيّر شيئًا في معادلة الكلام. قررت أن أستفزهم، فقلت: هل تعرفون أنكم تلجأون إلى تحليل "الاستراتيجيات الكبرى"، وهذا ما يُسمّى آلية الدفاع بالتعالي؟ التعالي عن الواقع، وأنتم بأحاديثكم تظنون أنكم تبنون أمجاداً. كنت أحاول أن أقول لهم بطريقتي إن كل هذا الذي يحدث ليس مهمًا كما يظنون، أو على الأقل ليس بهذه السيطرة التي يعتقدونها بها. لاحظتُ مؤخراً شيئًا غريبًا في نفسي. أجلس بين مجموعة من الرجال، يبدأ النقاش السياسي، يرتفع الصوت تدريجيًا، تتكاثر الجُمل، تتداخل التحليلات، وفجأة أشعر برغبة حقيقية بالضغط على زرّ "إطفاء" غير موجود. ليس لأن الموضوع لا يهمني، بل لأن كثافة الكلام نفسها صارت مُرهِقة. نَفَس طويل من النقاش، من الرد، من الإصرار...بلا نهاية. مِن أين يأتي هذا النفَس؟ كيف لواحدهم أن يناقش السياسة بهذه الطاقة، وبهذا الإصرار، لساعات، وكأن شيئًا في الداخل لا يتعب؟ تشير دراسات إلى أن المسألة لا تتعلّق بـ"اهتمام أكبر" لدى الرجال بالسياسة، بل ببُنية هذه المساحة نفسها، وبمَن يشعر أنه مسموع داخلها. أبحاث منشورة في مجلات علمية تُظهر أن النساء، حتى عندما يمتلكن معرفة دقيقة، يكون تأثيرهن أقل داخل النقاشات الجماعية. ليس بسبب ضعف الحجة، بل لأن آراءهن تُقاطَع أكثر، أو تُؤخذ بجدية أقل، أو تُعاد صياغتها لاحقاً من قبل شخص آخر. اولنتيجة ليست انسحاباً مباشرًا، بل تراجعاً تدريجياً في الرغبة في المشاركة. هناك ما يُعرف بعوامل "الدفع والسحب" (push–pull factors)، حيث تُشكّل طبيعة النقاش نفسها عامل جذب للبعض، وعامل إقصاء لآخرين. الأسلوب السائد - سرعة الرد، الحدة، المقاطعة - لا يبدو مشكلة لمن اعتاده، لكنه يصبح مرهقًا لمن لا يرى نفسه فيه. ومع الوقت، يتحول هذا الاختلاف في الأسلوب إلى فرق ظاهر في "مَن يتكلم أكثر". لكن أكثر ما لفتني في هذا المشهد، ليس فقط مَن يتكلم، بل لماذا يستمر في الكلام. هنا تظهر طبقة أخرى من التفسير، تتعلّق بطريقة التعامل مع القلق. بعض أدبيات علم النفس الاجتماعي، يشير إلى أن الانشغال المفرط بالسياسة يمكن أن يعمل كآلية دفاع، تُعرف أحيانًا بـ"التعالي الفكري" (intellectualization). حين يصبح الواقع ضاغطًا إلى درجة يصعب احتمالها - حرب، انهيار، تشوّش الحاضر والمستقبل - يتحول التفكير إلى مستوى "أكبر": خرائط، تحالفات، استراتيجيات. ليس لأن هذه المواضيع أبسط، بل لأنها أبعد. أبعد من الذات، وأقل إيلامًا من التفاصيل اليومية التي لا يمكن السيطرة عليها. هكذا، يصبح النقاش السياسي نوعًا من إعادة تنظيم الفوضى. الحديث عن تحركات دول، أو قرارات كبرى، يمنح شعورًا مؤقتًا بالتماسك، كأن الصورة أوضح مما هي عليه فعلاً. هناك مفهوم قريب من هذا يُسمّى "وهم الوكالة" (illusion of agency): الإحساس بأنك تشارك في الحدث لمجرد أنك تفهمه أو تتوقعه. وهنا تتقاطع هذه الفكرة مع ما نراه يوميًا: الاستمرارية. القدرة على البقاء داخل النقاش حتى بعد أن تُستنفد الحجج. كأن التوقف نفسه غير مريح. كأن الصمت يفتح مساحة لأسئلة أخرى، أقل وضوحًا، وأكثر ثقلًا. هذا الانشغال المفرط بالسياسة قد يعمل أيضًا كشكل من أشكال التخدير. في مقالات تحليلية نُشرت في مجلات مثل The Atlantic، تُربط المتابعة السياسية المكثّفة بمحاولة مستمرة للهرب من الذات. الانشغال بما يقوله هذا الرئيس أو ذاك، أسهل بكثير من مواجهة أسئلة يومية: ماذا أفعل بهذا القلق؟ كيف أعيش هذا الانهيار؟ ماذا تبقّى من الاستقرار الذي كنت أعتبره بديهيًا؟ بهذا المعنى، النقاش لا يفتح الواقع على الاتضاح، بل يؤجّله. في الجهة المقابلة، لا يعني هذا أن النساء أقل اهتمامًا بالسياسة، بل أن زاوية التعامل مختلفة.
تشير Sara Ruddick، إلى ما يُعرف بـ"التفكير المرتبط بالحفاظ على الحياة"، حيث يتم التعامل مع السياسة من زاوية أثرها المباشر: الأمان، الاستقرار، القدرة على الاستمرار. هذه المقاربة لا تحتاج بالضرورة إلى الصوت الأعلى، لكنها تحتاج إلى مساحة تُؤخذ فيها على محمل الجد. وحين لا تتوافر هذه المساحة، يصبح الانسحاب خيارًا منطقيًا، لا نقصًا في الاهتمام. وفي خضم هذا كله، يتسرّب سؤال آخر، أكثر إزعاجًا: ماذا لو لم تكن المشكلة في مَن يتكلم أكثر، بل في شكل الكلام نفسه؟ في قواعده غير المكتوبة، في نبرته، في افتراضه المسبق عمّن يملك الحق في الشرح، ومن يملك فقط حق الاستماع. أعود إلى الطاولة. إلى الجمل التي تتكدّس فوق بعضها البعض. إلى تلك الرغبة الصغيرة، المتكررة، بأن أقول شيئاً...ثم أبتلع الفكرة قبل أن تولد. ليس لأني لا أملك ما أقوله، بل لأني أعرف مسبقًا كيف سيُستقبل. وفي مكان ما، بين جملة وأخرى، أدركت أني لا أريد زرّ إطفاء لهم فقط. بل أحتاج زراً يوقف هذا الإلحاح كله، هذه الحاجة المستمرة للكلام، الكلام الذي لا يقدّم ولا يؤخّر… "كلام نسوان" كما يقولون عنا.