مستشار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني السابق. في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة، تبرز العلاقة بين جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية، كواحدة من أكثر المعادلات الأمنية تعقيدا وحساسية في القرن الحادي والعشرين. ولعل أي نقاش يدور حول أفق صياغة "اتفاق" بين هاتين القوتين، يستوجب مقاربته من منظور "التوازن الإستراتيجي"، بعيدا عن أطر الدبلوماسية الكلاسيكية النمطية. ويؤشر غياب أي إطار قانوني متين ناظم لهذه العلاقة في عام 2026، إلى أن الطرفين يحتكمان حاليا إلى مبادئ وإستراتيجيات متوازية، تقع في مربع "إدارة التوتر" وبناء "منظومات الردع المتبادل"، دون أن يعكس ذلك بالضرورة وجود أي مؤشرات حقيقية على "تقارب إستراتيجي" وشيك. من منظور نظريات العلاقات الدولية، ولا سيما في إطار "الواقعية البنيوية"، تواجه أي محاولة لبلورة اتفاق شامل بين طهران وواشنطن عقبات هيكلية متجذرة، يمكن إيجازها في نقطتين مركزيتين: إذا ما افترضنا جدلا توفر الشروط الموضوعية للعودة إلى طاولة المفاوضات، فإن أي مسار تفاوضي محتمل سيتأثر بثلاثة متغيرات رئيسية حاسمة: 1- الملف النووي وهندسة الردع: لا تنظر طهران إلى برنامجها النووي بوصفه مجرد مشروع لإنتاج الطاقة، بل باعتباره "ورقة ضغط إستراتيجية"، وركيزة أساسية في عقيدة الردع القومي. ومن ثم، فإن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يضمن حق إيران في امتلاك الدورة الكاملة للوقود النووي، دون أن يؤدي توسيع هذه القدرات إلى تجاوز الخطوط الحمراء للغرب والخصوم الإقليميين، لا سيما إسرائيل. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بالعودة الصارمة إلى معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)؛ لضمان سلمية البرنامج، ومنع أي انحراف عسكري له، وهو ما يجعل صياغة التوازن بين هذين الموقفين أشبه بالسير على خيط رفيع. 2- الاقتصاد الكلي ومعضلة العقوبات: يمر الاقتصاد الإيراني بحالة يمكن وصفها بـ"المرونة تحت وطأة الضغط"؛ لذا يشترط أي اتفاق فك الحصار عن النظام المصرفي العالمي (SWIFT)، ورفع العقوبات الثانوية. بيد أن الإدارة الأمريكية تصطدم بقيود سياسية داخلية وضغوط من جماعات المصالح ولوبيات الحلفاء الإقليميين، مما يحرمها من ميزة الرفع الشامل الفوري للعقوبات. وبناء على هذه المعطيات، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا يتجه نحو صياغة "اتفاق مرحلي تدريجي"، عوضا عن صياغة معاهدة نهائية شاملة.

3- النفوذ الإقليمي ومحور المقاومة: يمثل هذا الملف العائق الخفي والأعقد في مسار التفاوض؛ فبينما توالي واشنطن مطالبتها بتقليص الحضور الإيراني في لبنان، واليمن، والعراق، تؤكد طهران مشروعية دعمها لشركائها الإقليميين في إطار عمقها الإستراتيجي. ولما كان أي اتفاق يتجاهل القضايا الإقليمية محكوما بالهشاشة، يرجح المحللون اللجوء إلى صيغة "الفصل الإجرائي"، بحيث يعزل الملف النووي عن الملفات الإقليمية الشائكة، ريثما يتضح أن هذا الفصل يظل، من الناحية العملية، مؤقتا وغير مستقر. السيناريوهات المستقبلية: من "لا، لا" إلى "القيود المتكافئة" بناء على جملة الإكراهات والمحددات الهيكلية السابقة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقات الأمريكية-الإيرانية: ورغم التكلفة المستمرة لهذا الوضع، فإنه يظل الخيار المفضل لتجنب الصدام العسكري المباشر. لا يمكن صياغة أي اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن في معزل عن البيئة الدولية المحيطة؛ إذ تبرز أدوار الأطراف الثالثة كعامل حاسم في توجيه مسار هذه التقاربات: الصين وروسيا: بوصفهما شريكين إستراتيجيين واقتصاديين بارزين لإيران، فإن المحدد الأساسي لطهران يكمن في ألا يفضي أي اتفاق محتمل مع واشنطن إلى عزلها عن الكتلة الشرقية أو إضعاف تحالفاتها معها. ومن جانبها، تدرك الإدارة الأمريكية صعوبة قطع جسور التواصل الاقتصادي والنفطي بين طهران وبكين، لذا تحرص على تركيز جهودها في مسار الضغط السياسي والدبلوماسي؛ لمحاصرة هذا الصعود المتنامي. هنا نتناول أبعاد العقيدة الأمنية الإسرائيلية وآليات تعاملها مع ما تصفه بـ"التهديد الوجودي" الناهض من طهران. ويمكن تفكيك هذه الآليات على النحو التالي: ومن هذا المنطلق، ترفض تل أبيب الاحتكام إلى أي صيغة "اتفاق" أو "تفاهم" مرحلي، إذ ترى في الدبلوماسية مجرد غطاء يمنح الخصم مساحة زمنية لترميم قدراته وتثبيت مكاسبه. وتكشف هذه التكتيكات عن تفضيل إسرائيل "الإستراتيجية غير التناظرية"؛ بغية تقويض مقدرات طهران خطوة بخطوة، وتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة قد تفجر حربا إقليمية شاملة. وتسعى، عبر تصدير الهواجس الأمنية المشتركة، إلى ترسيخ سردية مفادها أن "المنظومة الأمنية المستدامة في المنطقة لا تتحقق إلا عبر التحالف الإستراتيجي مع واشنطن وتل أبيب، وليس عبر الرهان على السلام مع طهران". وبناء على ذلك، فإن العمليات الأمنية الإسرائيلية لا تستهدف القدرات المادية لإيران فحسب، بل صممت بعناية لتقويض الثقة الإقليمية في الجدوى السياسية للمسارات الدبلوماسية. في الوقت الذي تسعى فيه طهران إلى توظيف تقاربها مع السعودية كرافعة إستراتيجية لتخفيف الضغوط الأمريكية، تقف إسرائيل في المقابل كحائط صد بنيوي يرفض أي تمكين إستراتيجي لإيران، متوسلة في ذلك بأدوات حروب الظل والعمليات التخريبية والاستخباراتية. في نهاية المطاف، يظهر تحليل واقع العلاقات الأمريكية-الإيرانية في عام 2026 أننا نقف في مربع "دبلوماسية التحذير"؛ حيث لم يعد الاتفاق مجرد حدث إجرائي منفصل وسياق عابر، بل غدا "عملية مستمرة لإدارة المخاطر". إذ ترتكز إستراتيجية طهران على تفعيل "الردع متعدد الطبقات" (العسكري، والنووي، والإقليمي) لرفع كلفة أي تحرك عسكري أو عقابي قد تقدم عليه واشنطن وحلفاؤها. وفي المقابل، تتوسل الولايات المتحدة بمزيج من "الضغط الأقصى المقيد" والحفاظ على "قنوات حوار خلفية" للحيلولة دون انزلاق الأوضاع نحو سيناريوهات غير خاضعة للسيطرة. وبناء على ذلك، فإن أي مقاربة تحليلية لمستقبل "الاتفاق" تستوجب تبني نظرة واقعية؛ فنحن لسنا بصدد هندسة سلام دائم، بل أمام "هدنة إستراتيجية" قابلة للانهيار عند أي منعطف جراء سوء تقدير حسابات الحقل، أو حدوث تحولات سياسية داخلية، أو مغامرة إقليمية غير محسوبة. ولعل مفتاح الاستقرار في ظل هذه الإكراهات لا يكمن في الحبر على ورق المعاهدات الموقعة، بل في استثمار "المصالح المتداخلة" في ملفات حيوية مثل مكافحة التطرف، وتأمين استقرار أسواق الطاقة العالمية، وهي مساحات لم تستغل بالكامل بعد. ويكشف هذا المشهد أن غياب إطار قانوني راسخ وناظم يفرض على طهران وواشنطن التفاعل عبر منطق "الوكالة" والقنوات غير المباشرة، مما يجعل التنبؤ بالمستقبل أمرا بالغ التعقيد دون الأخذ في الحسبان ارتدادات التقلبات الجيوسياسية العالمية الحادة؛ بدءا من صراعات القوى الكبرى، مرورا بالأزمات المناخية، وصولا إلى التحولات التكنولوجية المتسارعة. الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.